ابن بسام

233

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

والنّصبة ، قالت : ليس عن هذا أسألك ، قلت : ولا بغير هذا أجاوبك ، قالت : حكم [ 1 ] الجواب أن يقع على أصل السؤال ، وأنا إنما أردت بذلك [ 2 ] إحسان النّحو والغريب اللذين هما أصل الكلام ، ومادّة البيان . قلت : لا جواب عندي غير ما سمعت ، قالت : أقسم أن هذا منك غير داخل في باب الجدل ، قلت : وبالجدل تطلبيننا [ وقد عقدنا سلمه ، وكفينا حربه ] وإنّ ما رميتك به منه لأنفذ سهامه ، وأحدّ حرابه [ وهو من تعاليم اللّه عزّ وجلّ عندنا في الجدل في محكم تنزيله ، قالت : أقسم أنّ اللّه ما علّمك الجدل في كتابه ، قلت : محمول عنك أمّ خفيف ، لا يلزم الإوزّ حفظ أدب القرآن ، قال اللّه عزّ وجلّ في محكم كتابه حاكيا عن نبيه إبراهيم عليه السلام : رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ( البقرة : 258 ) . فكان لهذا الكلام من الكافر جواب ، وعلى وجوبه مقال ، ولكنّ النبيّ [ 3 ] صلّى اللّه عليه وسلّم لما لاحت له الواضحة القاطعة ، رماه بها وأضرب عن الكلام الأول ، قال : فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وأنا لا أحسن غير ارتجال شعر ، واقتضاب خطبة ، على حكم المقترح والنصبة . فاهتزّت من جانبيها ، وحال الماء من عينيها ، وهمّت بالطيران ، ثم اعتراها ما يعتري الإوزّ من الألفة وحسن الرّجعة ، فقدّمت عنقها ورأسها إلينا تمشي نحونا رويدا ، وتنطق نطقا متداركا خفيّا ، وهو فعل الإوزّ إذا أنست واستراضت وتذللت ، على أني أحبّ الإوزّ ، وأستظرف حركاتها وما يعرض من سخافاتها ] . ثم تكلّمت [ 4 ] بها مبسبسا ، ولها مؤنسا ، حتى خالطتنا وقد عقدنا / سلمها وكفينا حربها . فقلت : يا أمّ خفيف ، بالذي جعل غذاءك ماء ، وحشا رأسك هواء ، ألا أيّما أفضل : الأدب أم العقل ؟ قالت : بل العقل ، قلت : فهل تعرفين في الخلائق أحمق من إوزّة ، ودعيني من مثلهم في الحبارى ؟ قالت : لا ، قلت : فتطلّبي عقل التجربة ، إذ لا سبيل لك إلى عقل الطبيعة ، فإذا أحرزت منه وبؤت منه بحظّ ، فحينئذ ناظري في الأدب . فانصرفت وانصرفنا . قال أبو عامر [ 5 ] : وكنت يوما بحمّام لي مع أصحابنا فأتى رسول الحاجب أبي عامر

--> [ 1 ] ط : ما حكم . [ 2 ] ط : بك . [ 3 ] يريد النبي إبراهيم . [ 4 ] ط : فتكلمت . [ 5 ] هذا الفصل كله حتى قوله : انتهى كلام ابن حيان ، لم يرد في النسخة : ط .